الشاعر منعم الفقير والحنين الجارف لوجه الوطن الغائب

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
26/07/2008 06:00 AM
GMT



             من الدنمرك.. تهطل علينا غيوم اغترابه

تحيلنا قراءتنا لقصائد الشاعر العراقي المغترب في ا لدنمرك منعم الفقير، بشكل شامل تقريباً، إلي ذلك العالم المؤسس علي ثيمة رئيسة هي الغربة عن الوطن الأول، وما سيرافق ذلك من اشكاليات التغرب، وأحاسيس الاغتراب. بأبعادها المكانية والنفسية والثقافية، وانعكاس ذلك علي تجربة الشاعر الفنية لقصائده، ولا شك أن الغربة قد أعدت ظلالاً كثيرة ومختلفة لمفرداته وجمله ومقاطعه ثم قصائده.
منعم الفقير، شاعر يعيش في الغرب الأوروبي منذ أن غادر وطنه الأصلي العراق عام الف وتسعمائة وتسعة وسبعين أي منذ ما يقرب من أربعين عاماً، والأربعون عاماً قامة رجل وحافة كهولة، ونضوج شيخوخة قادمة.
(مرةً أخذت
قليلاً من التراب
قليلاً من الأعشاب
قليلاً من الماء
وكثيراً من الأسلاك
وصنعت منها وطناً
فهل أسمه عراق ) ص11
في هذه القصيدة يتمثل الوطن لنا، وقبلنا للشاعر، في صورة غامضة، سوي الدلالة التي يعطيها جملة (كثيراً من الأسلاك)، ولكن التساؤل الذي أبداه الشاعر يوحي بأن ثمة حيرة ما حول مفهوم الحرية وما إذا كان قد فقد بنسبة شخصية، أم إنه مفقود أيضاً عن مستويات أخري، في مقارنة ذاتية داخلية يتجرد فيها الشاعر من انحياز الضد ليصل إلي حالة جديدة من الفرز الموضوعي والإنسانية العالية، والوطن لدي الشاعر حالة حميمية غارقة في المشاعر وكأنني به في قصيدته التالية يأسي علي فقدانه المأساوي لوطنه الذي لن يعود أبداً إليه، فهو دمعة خرجت من عينه وسفحت علي أرصفة البلاد البعيدة ذات الساعات الرمادية الطويلة.
(العين وطن
أنا الدمعة المسفوحة
علي خد المنفي) ص10
هل في كلمتي (العين وطن) لعبة شعرية ما!؟ هل العين وطن أم الوطن العين، هل الوطن هو ما يراه الفرد أمامه من حالة واقعية معاشة، أم أن الوطن يعيش مبصراً في العين التي سبق أن رأت واكتنزت المشاهد، وبدأت تستعيدها مرة بعد مرة. في القصيدة الحديثة يمكن أن نقبل وندرك شعراً كلا الترتيبين في وحدة فنية تتراوح فيها المعاني وتأخذ أبعاداً إضافية جديدة.
واعتباراً من عنوان المجموعة المختارة من قصائد منعم الفقير المسماة (رأي العين) مضافاً الي ذلك صور الغلاف التي تمثل وجهاً له عينان تحدقان بعمق وتمعن الي ما بعد حدود الخلاف ندرك أن الشاعر يهتم أن يكون في المقام الأول رائياً، أو أنه يختار أن يقدم في قصائده شهادة التجربة الحية المعاشة. والرؤية هنا، ذات شقين، فهي وان كانت رؤية العين إلا أنها في الوقت ذاته تمهد الطريق لنسج (رأي) من خلال تمثيل المشهد، وبذلك تصبح الرؤية نظرة، فمعاناة، فموقفاً تالياً، أما كلمة (العين) في العنوان فهي إضافة الي كونها أداة الرؤية إلا أنها تتجاوز الوصول الي صميم الأشياء، وعينها، وحقيقتها وجذورها، فحينما يقال مثلاً (عين الحقيقة) يقصد بؤرتها الحقيقية روحها، أما العينان اللتان تحدقان بعيداً في صورة الغلاف فانهما وان كانتا أصغر من العيون السومرية الواسعة بإفراط والتي تظهر في التماثيل والصور المحفورة علي الحجارة والطين دلالة علي النظرة العميقة الغائرة في تفاصيل الأشياء، ومن هذا المرأي التاريخي العراقي القديم ينهض الشاعر العراقي المعاصر منعم الفقير من أرض السومريين، حيث كتب جده قبل أكثر من ستة آلاف عام ملحمته الإنسانية الخالدة (كلكامش) (هو الذي رأي).
ولعلنا نري من خلال هذا الجذر المشترك بين الشاعر العراقي المعاصر وبين الإرث الأدبي العراقي القديم تلك الوشائج المشتركة النابعة من تفاعل الإنهسان الذي تشكل صلته بوطنه معاناة مستمرة ودائمة ومستقلة، والتي ستعطيه مفاتيح الحكمة والنطق بالقول الاستنتاجي وصولاً الي تلك الحكم والأمثال والأقوال المأثورة التي تبقي علي مر السنين، حيث تجد شاعرنا منعم الفقير يتنفس ذلك الهواء ويرصد بعض مظاهر الحكمة ويقدم نماذج متعددة منها، علي شكل وصايا مباشرة، أو عبر تلغيم قصدي داخل إطار المشهد الشعري، والحكمة المعاصرة هنا تحاول قدر إمكانها أن تجر الشاعر من مقاعد الشباب إلي قاعد الشيوخ الذين يتوقع أن ينجحوا طالما يزداد الشاعر حزناً علي كل الأشياء ابتداء من جرح الوطن، إلي رماديات المنفي، إلي حتمية الموت من هذه المقاطع:

# ما تذهب إليه العين
لا تدركه اليد
# الدمعة التي تغادر
لا تعود أبدا
# أن تكون بشرا
تلك المحنة الكبري
# حين يتداعي العالم
يقوم العقل
# لا مدينة تصنع من حلم
ولا حلم يقوم علي مدينة
# القبلة الأولي
بالفم من الكلمة
واني لأجد خلف نوافذ قصائده غربة، وتغرباً، واغتراباً، الغربة الأولي عن الوطن القديم الذي لا تكاد تتبين ملامحه وتفاصيله، سوي هذا الاسم الرومانسي الجميل الذي خلف وراءه عالماً شخصانياً انصهر بوعي شديد من الحيطة والحذر في الاقتراب من العالم الجديد والذي يمكن أن أسميه (التغرب) الواعي الذي فرض الحل الوحيد الممكن أمام الشاعر، أما الحال الثالثة والأخيرة فهي حالة الاغتراب بمعناها النفسي والاجتماعي وهي من النوع الذي يعيشه الإنسان الأوروبي بأزماته المختلفة زائداً لدي شاعرنا، المضاف من التناقض والصراع الداخلي والإيمان بفعل ما، ونقيضه، والسعادة بما حصل والندم الشامل الذي يركض خلف البهجة المنجزة الساعة في أضواء العالم الجديد.
وهكذا تتغير انطباعات الشاعر وتختلف معبرة عن ذلك الصراع الداخلي الكبير الذي يشتعل داخل نفسه ومشاعره، حتي تأتي تلك اللقطة الجميلة المخادعة والتي يختفي وراءها الشاعر، مضببا أمامنا الرؤية للوصول إلي موقفه النهائي الصريح.
حدود وطني حدود روحي ص20

إن أبعاد تجربة الشاعر منعم الفقير، وتضاعيفها الحلوة أو المرة وتراكماتها الفكرية والإنسانية قد انضجت لديه في السياق الطبيعي وعيا فلسفيا راقيا يبرز واضحاً من خلال قصائده، وتساؤلاته حول حقيقة الحياة والموت والاقامة والسفر، والخير والشر والأنا والآخر، كأنها تقدم صورة عن القلق الوجودي الذي يعتري الشاعر وينقله من حالات التفاؤل والفرح إلي حالات الحزن والكآبة والتشاؤم، ففي حين يستسلم للقدر الذي استسلم له قبل كل البشر منذ جده كلكامش العراقي، نجده مرة أخري يفيض حيوية ويستلهم الوقت والزمن للتمتع بالحياة وقراءتها قراءة مختلفة وإصابة ما يستطيع من ملذاتها.
ولابد لي أن أشير إلي موقف الشاعر من المرأة، التي كانت صورتها واضحة في قصائد هذه المختارات، حيث تجاوزت لديه بكثير ذلك الأشكال العاطفي الموجود لدي أغلب الشعراء العراقيين والعرب، إنها في الغالب المرأة الواقع الذي ينتقل ما بين متطلبات الحياة اليومية، أنها المرأة الموجودة أمامهروحا وجسداً دون عوائق الرومانسية الشرقية وحدودها، لا بل يمكن أن نقول إن تلك الرومانسية تصبح أحيانا مطلبا خفيا وأمنية خاصة في أن تكون أسطورة يبحر الشاعر للبحث عنها مستخدما سفينة السندباد البحري في السواحل والجزر الخرافية المأهولة بالبكارة والغرابة.
وبعد فمازالت هناك العديد من الزوايا الفنية التي يمكن التحدث عنها بتفصيل أكبر ربما في سانحة قادمة، ولكني أستطيع أن أقول ان الشاعر منعم الفقير، مبدع مثقف، مهموم بعملية الخلق الفني، وله صوته الشعري الخاص، كما أن له نتاجه الثري الذي يساعد النقد علي توليف ملاحظاته بحيث يشكل اطارا عاما يقدم التجربة الحياتية والفنية بصورة شاملة وحقيقية وصادقة.